السبت، 31 مايو 2025

عبادة القوة في شرق ليبيا: كيف صنع حفتر شعبًا لا يقول "لا"؟

 عبادة القوة في شرق ليبيا: كيف صنع حفتر شعبًا لا يقول "لا"؟

بقلم: سمير الكاديكي


في شرق ليبيا، لا يبدو أن الخطر الحقيقي اليوم هو الحرب أو الانقسام السياسي أو التدخل الخارجي، بل الخطر الأخطر هو: تحول الناس إلى عبيد للخوف، وانزلاقهم إلى مرحلة "العبودية الطوعية"، حيث تصبح الطاعة لحفتر وأبنائه فريضة، والصمت طوق نجاة، والتمجيد واجبًا وطنيًا، والانتقاد خيانة.

حفتر لا يُنتقد... لأنه "فوق البشر"

خليفة حفتر لم يعد مجرد قائد عسكري أو سياسي نافذ، بل تحوّل إلى "نموذج مقدس" داخل مناطق سيطرته. يتم التعامل معه من قبل أتباعه، بل وحتى من قبل كثير من المواطنين، وكأنه "منزّه عن الخطأ"، لا يُسأل عمّا يفعل، ولا يُحاسب على قراراته مهما كانت نتائجها.

هذا التقديس لم يأتِ من فراغ، بل صُنع بشكل متعمد وممنهج، عبر أدوات الإعلام، والأجهزة الأمنية، وخطاب ديني وقبلي مصمم على مبدأ الطاعة العمياء، حيث تُختصر الوطنية كلها في الولاء للرجل وحده.

كيف صُنعت "عبودية الخوف" في شرق ليبيا؟

1. تكميم الأفواه والإرهاب المعنوي

أي صوت يعارض أو حتى يتساءل، يتعرض إما للاعتقال، أو الاختفاء، أو التشهير، أو الكسر الاجتماعي داخل منطقته. لا قانون يحميك، ولا قضاء ينصفك. القانون الوحيد هو "أوامر القيادة".

2. انهيار المجتمع المدني والإعلام الحر

لا توجد صحافة مستقلة في الشرق، ولا قنوات تُعطي مساحة للرأي الآخر. الإعلام المحلي تحول إلى منصات تمجيد، والبيانات تُقرأ بعبارات أشبه بعبارات "الفتوحات الدينية" لا السياسية.

3. توظيف القبيلة والمال والسلاح

تم ربط مصالح الأفراد والقبائل بمدى ولائهم لحفتر. من يُعلن الولاء ينال مناصب، أراضٍ، نفوذ، وربما حصانة من القانون. ومن يُعارض، يُقصى، يُحرَم، ويُلاحَق.

4. صناعة "إله سياسي" لا يُسأل

حين يخطئ حفتر أو أحد أبنائه، تُبرر أفعاله على الفور، ويتم تحميل المسؤولية للخصوم أو للشعب أو لظروف الحرب. أما خصومه، فيُهاجمون على أتفه الأسباب.

حفتر، في وعي مناصريه، لا يخطئ أبدًا… والويل لمن قال عكس ذلك.

أمثلة حية على عبودية الطاعة:


حين أطلق ابنه صدام حفتر النار داخل مؤسسة حكومية وأهان موظفين، لم يُحاسب، بل خرجت أصوات تمجده وتصفه بـ"القائد الحازم"، وتمت معاقبة الضحية بدلًا من الجاني.


في انتخابات المجالس البلدية، لم تُسمح لقوائم معارضة بالترشح فعليًا، إما بسبب التهديد أو الإقصاء القانوني الموجه، في مشهد يفضح وهم الديمقراطية تحت سلطة تُخضع الجميع.


أحد النشطاء الشباب في بنغازي، كتب منشورًا ناقدًا للفساد داخل أجهزة "القيادة العامة"، فاختفى لمدة أيام، ليعود صامتًا تمامًا، ويغلق حساباته، وينسحب من أي نشاط عام.


القنوات والمواقع التي تمولها القيادة، تمارس شيطنة مَن يسأل أو يعارض، بل وتُلمّح بشكل غير مباشر إلى أن المعارضة تعني الخيانة أو العمالة، في نفس الوقت الذي تُصدر فيه شعارات "الوطنية" و"حرية التعبير".



ماذا يعني هذا على المدى البعيد؟


تفريغ الحياة السياسية من أي مضمون حقيقي، وتحويل الشعب إلى جمهور يهتف فقط.


منع التغيير السلمي، مما يجعل الانفجار أو الفوضى البديل الوحيد.


زرع الخوف في الأجيال الجديدة، بحيث يكبر الأطفال على طاعة الشخص لا طاعة القانون أو الوطن.


تقديس القمع بدلًا من محاربته، مما يجعل الانتهاك الطبيعي الجديد.

من المسؤول؟

بعض المواطنين يتحملون المسؤولية جزئيًا، لأنهم اختاروا الصمت أو التبرير أو الطاعة، إما طمعًا في مكاسب، أو خوفًا على أنفسهم.

لكن المسؤول الأكبر هو النظام نفسه، الذي جعل "العبودية السياسية" هي الشكل الوحيد المقبول للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.


هل من أمل؟


نعم، لا يزال هناك أمل في ذلك الصامت الشريف، الذي لا يمجّد ولا يهتف، ولا يُطبّل، وإن لم يستطع قول "لا"، فهو لم يقل "نعم" للباطل.

وهناك أيضًا شباب واعٍ، مثقف، يراقب وينتظر فرصة التغيير، ليُعيد شرق ليبيا إلى طريق الحرية والكرامة التي لا تُباع ولا تُشترى.

الخاتمة:

حين تُقدّس الأشخاص فوق القانون، وتُخيف الناس حتى من التفكير بصوت عالٍ، فأنت لا تبني وطنًا، بل تسجن وطنًا داخل صورة رجل.

وحين يصبح السؤال جريمة، والصمت نجاة، والتطبيل فريضة… فاعلم أن الوطن تحت الاحتلال، وإن لم تراه دبابة.

الثلاثاء، 27 مايو 2025

الأسرار: ما نُخفيه لنحمي ما لا يُقال

 الأسرار: ما نُخفيه لنحمي ما لا يُقال


نحن لا نعيش فقط في عالم الأسرار، بل نحن الأسرار نفسها.

كلّ إنسان هو كتاب مغلق، لا يُقرأ كاملًا، حتى من أقرب الناس إليه.

نخفي، نكتم، نُخبئ…

لكن، ما الذي نُخفيه؟ ولماذا؟ وما الذي يجعلنا نخاف من كشفه؟

الأسرار ليست مجرد معلومات نخشى أن تُعرف،

بل هي أجزاء منّا، من طفولتنا، من أخطائنا، من رغباتنا التي لم نجد لها مكانًا في النور.

قد تكون الأسرار ذنبًا لم نغفره لأنفسنا،

أو حلمًا لا يتناسب مع الواقع،

أو ألمًا نخجل من ضعفه،

أو حتى حبًا خائفًا لا يقوى على الظهور.

لماذا نُخفي الأسرار؟

1. الخوف من الحكم: نخشى أن يحكم الآخرون علينا، أن تُشوَّه صورتنا في أعينهم.

2. الخجل: نخجل من ضعفنا، من لحظة سقوطنا، من شيء لم يكن يليق بنا.

3. الرغبة في السيطرة: نعتقد أن من يملك السر يملك القوة. السر يعطينا وهم السيطرة.

4. الحماية: أحيانًا نخفي شيئًا ليس خوفًا على أنفسنا، بل على غيرنا، على توازن العلاقات.

وهل في الأسرار فائدة؟

نعم، للأسرار دور وجودي في تشكيل الإنسان.

هي ما يجعلنا نتمتع بالخصوصية.

هي ما يُبقي بعض المسافات آمنة بيننا وبين الآخرين.

أحيانًا، هي صمّام الأمان بين القلب والعالم.

لكن في المقابل،

بعض الأسرار تقتل ببطء.

تأكلنا من الداخل.

تصبح قيدًا لا نراه، لكنها تشدّ أرواحنا كلما حاولنا الطيران.

نخاف منها كما نخاف من أنفسنا.

نحاول دفنها في أعماق وعينا، لكنها لا تموت.

لماذا نخلق الأسرار؟

ليس دائمًا ما نُخفيه كان موجودًا من قبل.

أحيانًا نحن من نخلق السر، من نُعطيه تلك الهالة، من نُضخّمه حتى يصبح عبئًا.

لأننا لا نجد من نفهمه أو يفهمنا،

أو لأننا لم نُربَّ على التعبير، بل على الكتمان.

فنكبر ونحن نحمل حقائب خفية، مليئة بأشياء لا نعرف حتى كيف نُسميها.

ومتى تُصبح الأسرار مرضًا؟

حين تتحول إلى جدران،

تفصلنا عن الحياة.

حين تمنعنا من الحب، من الثقة، من السلام الداخلي.

حين يكون السر هو ما نعيشه لا ما نُخفيه فقط.

هل من خلاص؟

ربما لا نحتاج إلى أن نُفصح عن كل شيء.

لكننا نحتاج إلى أن نتصالح مع أسرارنا.

أن نفهمها، أن نغفر لأنفسنا،

أن نُدرك أن الإنسان ليس كائنًا نقيًا بالكامل،

بل كائن يعيش في الظلال والنور معًا.

الأحد، 18 مايو 2025

حرق القمامة.. جريمة ضد الصحة العامة والبيئة طرابلس ليبيا

 طرابلس سوق الجمعة 

حرق القمامة.. جريمة ضد الصحة العامة والبيئة


في مشهد عبثي يتكرر في شوارع العاصمة، قام متظاهرون تابعون لما يُعرف بـ"قوة الردع" من منطقة سوق الجمعة بسكب شاحنات من القمامة على الطرقات العامة، وإشعال النار فيها كوسيلة للتخريب وبث الفوضى.

هذه الممارسات لا تعبر عن إحتجاج سلمي، بل عن أقصى درجات الإنحطاط، حيث يتم إستخدام النفايات كأداة للإيذاء الجماعي.

القمامة المشتعلة: سموم في الهواء


لا يدرك هؤلاء أو ربما لا يبالون بأن حرق القمامة ليس مجرد إزعاج بصري أو مؤقت. بل هو إطلاق مباشر ومكثف لمواد سامة في الهواء الذي يتنفسه الجميع: نساء، أطفال، مرضى، وكبار السن. ينتج عن الحرق العشوائي للنفايات غازات سامة مثل الديوكسينات والفورمالديهايد وأول أكسيد الكربون، وهي مركبات مسرطنة وخطيرة على المدى القصير والطويل.

أثر فوري ومدمر على البشر والكائنات

يتسبب إستنشاق هذه المواد في أمراض تنفسية حادة، وتهيج في العيون والجلد، وقد يؤدي إلى نوبات ربو قاتلة لمن يعانون من مشاكل صحية مزمنة. وعلى المدى الطويل، يؤدي التعرّض المستمر لهذه الغازات إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان، وأمراض القلب، وإضطرابات الجهاز العصبي. أما البيئة، فتدفع الثمن أيضًا، إذ يُلوَّث الهواء والتربة والماء، وتتضرر النظم البيئية المحيطة.


عندما تتحول ميليشيا إلى كارثة صحية

المؤسف أن هذه الأفعال لا تأتي من أفراد عاديين، بل من جهة مسلّحة تدّعي الإنضباط والسيطرة، بينما لا تتورع عن إستخدام القمامة كأداة قذرة للضغط السياسي والتخريب الإجتماعي. بدلًا من حماية الناس، تتصرف "الردع" كجائحة بيئية، تفرض وجودها بالخطف والإبتزاز وتدمير الصحة العامة.

إجرامهم لا يختصره السلاح

عندما تتحول الشوارع إلى محرقة بفعل فاعل، ويُختزل الهواء إلى دخان سام، ندرك أن الإجرام لا يكون بالسلاح فقط، بل أيضًا بكل ما يهدد حياة الناس اليومية. إن حرق القمامة هو إعلان صريح بعدم الإكتراث بالبشر، بمستقبلهم، بصحتهم، وبحقهم في هواء نقي.

نطالب بتحرك فوري ضد هذه الأفعال

إن ما يحدث يتطلب وقفة وطنية وصحية عاجلة، لوقف هذا التخريب البيئي المتعمّد، ومحاسبة من يحوّل المدن إلى بؤر سُمٍّ ومرض. حرق القمامة جريمة، ومن يفعلها عن عمد يجب أن يُحاسَب لا كفاعل شغب، بل كمجرم في حق الإنسانية والبيئة.

الاثنين، 12 مايو 2025

حضن الطفولة

 حضن الطفولة


وجدتُ صورةً لي وأنا صغير،

أطلتُ النظر فيها، حتى خُيّل إليّ أنها تحدّق فيّ أيضًا،

تعاتبني على المسافة، وتسألني عن الذي غيّر ملامحي.

همستُ لها:

احضنيني...

لقد مرّ العمر، وكَثُر السهر، وفَقَدَ الأمل بريقه،

كُسر الظهر من التعب، وطال الدهر على قلبٍ أنهكه الفقد.

أصبحتُ وحيدًا،

فقدتُ كل إخوتي، وأعيش قهرًا لا يُداوى.


احضنيني...

كم كنتُ سعيدًا بذلك العمر،

أصحو في حضن أمي، وأسمع صوت أبي وهو يصلي الفجر،

رائحة الخبز تنادينا إلى المائدة،

والخيرات تأتي من ما لا يخطر على بال.


كم كانت ألعابي كثيرة،

تملأ البيت بهجةً وحركة،

وكم كانت ضحكات إخوتي وفيرة،

تتشابك أصواتهم كأنها نشيد حياة لا ينتهي.


آهٍ يا صورة الطفولة...

اشتقتُ إليّ،

إلى ذاك الطفل الذي لم يعرف معنى الوحدة،

ولا ذاق وجع الغياب،

ولا جلس في صمتٍ ثقيلٍ لا يُحتمل.


آسف...

سالت دموعي دون استئذان،

كأنها تذكّرني بمن كنت،

وتعاتبني على من أصبحت.

السبت، 10 مايو 2025

حين تتعارض لقمة العيش مع المبادئ: الإعلام كمرآة للجبن والانحطاط تحت سطوة الاستبداد

 حين تتعارض لقمة العيش مع المبادئ: الإعلام كمرآة للجبن والانحطاط تحت سطوة الاستبداد


في زمن تتهاوى فيه القيم، وتتقزم فيه المواقف، يبرز سؤال جوهري: ماذا تفعل حين تتعارض لقمة عيشك مع مبادئك؟ هل تصمت وتنحني؟ أم تقف، ولو وحيداً، دفاعاً عن حق يُغتال، وكرامة تُداس، وحقيقة تُقمع؟

كثيرون من الإعلاميين اليوم ـ خصوصاً في البيئات الخاضعة لأنظمة القمع ـ يتغنون بالحرية، ويتظاهرون بالنزاهة، ويتشدقون بحقوق الإنسان، لكنهم ينهارون أمام أول اختبار حقيقي. يتبخر خطابهم النبيل إذا ما تعلّق الأمر بـ"السيد"، ذاك الظالم الذي يغدق المال، ويُلوح بالعقاب، ويتقن صناعة الخوف.

انظر إلى بعض الإعلاميين في ليبيا، أولئك الذين يدورون في فلك حفتر ومنظومته. تراهم يعزفون سمفونية الكرامة والحرية، لكنهم لا يجرؤون على طرح سؤال بسيط عن فساد أبنائه، أو جرائم مليشياته، أو ثروته التي تنفجر في وجه الجوعى والفقراء. وحين يُذكر اسم "حفتر"، ترى الحاضرين، سواء في الاستوديو أو الشارع، يبتلعون ألسنتهم، ويغشاهم صمت ثقيل. بعضهم يتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه، فقط ليتفادى المواجهة أو حتى مجرّد إبداء رأي.

إنها لحظة انكشاف. لحظة يسقط فيها القناع، وينكشف الوجه الحقيقي للإعلامي الذي قرر أن يبيع ضميره مقابل راتب، أو أمن شخصي، أو مساحة صغيرة من الشهرة.

لكن الخطورة لا تكمن فقط في الجبن الفردي، بل في التطبيع الجماعي مع الظلم. حين يصبح الصمت فضيلة، والنفاق مهنة، والجبن حكمة، تتسع دائرة الخضوع، وتتحول الشعوب إلى أسرى للخوف، ويصبح الظالم أكبر من أن يُنتقد، وأقوى من أن يُواجه.

في هذه اللحظة، يتحول الإعلام من منارة إلى أداة ترويج، ومن سلطة رابعة إلى ذراع دعائية، ومن حارس للحق إلى شريك في اغتياله.

السؤال الذي يجب أن يُطرح لكل إعلامي اليوم: من أنت حين يُذكر اسم الطاغية؟ هل تهرب من الكاميرا، أم تواجه؟ هل تغلق الميكروفون، أم ترفع الصوت؟ هل تختار لقمة العيش على حساب الكرامة، أم تجوّع وأنت مرفوع الرأس؟

إن التاريخ لا يخلّد الجبناء، ولا يحترم المبررين. بل يُمجّد من وقفوا وقالوا "لا" في وجه الاستبداد، ولو خسروا مناصبهم أو حياتهم.

حفتر: الطغيان في الداخل... والمهانة في الخارج

 حفتر: الطغيان في الداخل... والمهانة في الخارج


يظهر خليفة حفتر كرمز لتسلّط غير مسبوق، رجل يفرض ترهاته على الجميع في الداخل، بينما ينكشف وجهه الحقيقي خارج الحدود.

في ليبيا، لا أحد يستطيع الدخول على حفتر بسهولة، لا نائب برلمان ولا مسؤول رفيع.

الجميع يُذلّ على الأبواب، ينتظرون لساعات، يُفتشون كما لو كانوا تهديداً أمنياً، تُصادر هواتفهم، وتُنتزع كرامتهم، كل ذلك من أجل لحظة سلام عليه أو لقاء قصير لا يُغني ولا يُثمر.

هذه الإهانة المتكررة لم تكن استثناءً بل نهجاً، حيث وثّق عدد من النواب الليبيين والسياسيين مواقف مهينة تعرضوا لها في زياراتهم لمقرّ حفتر في الرجمة. منهم من انتُزع هاتفه، ومنهم من أُرغم على الانتظار لساعات في الشمس، ومنهم من مُنع من الدخول رغم التنسيق المسبق. أسلوب لا يعكس احتراماً للدولة ولا للمؤسسات، بل يعكس رؤية فرد يتصرف كحاكم مطلق يعلو فوق الوطن.

لكن المشهد يتبدل تماماً عندما يخرج حفتر من ليبيا. ففي روسيا، البلد الذي يسعى لتوثيق علاقاته به، وُضع حفتر وأبناؤه في موقف مذل: 

وقوف طويل تحت الشمس، تفتيش دقيق، ومصادرة هواتفهم دون أدنى مجاملة، كأي زائر عادي لا يحمل امتيازاً.

هنا، سقطت هيبته المصطنعة، وظهر أنه لا يملك من القوة إلا ما يُمارسه على شعبه.

هذا التناقض يُعيد إلى الأذهان سلوك العقيد معمر القذافي، الذي، رغم طغيانه وجرائمه، لم يكن يتذلل لأي زعيم أو رئيس.

بل العكس، أهان الملوك والرؤساء علناً، في قمم ومؤتمرات.

كان مجرماً، نعم، لكنه لم يُمارس التذلل في الخارج ويُمارس القهر في الداخل، كما يفعل حفتر اليوم.

إن من يحكم الناس بالإهانة، يذوقها حين يقف أمام من هو أقوى منه.

وحفتر، الذي يرى نفسه سيداً في ليبيا، ما هو إلا تابعٌ حين يُغادرها.

والمفارقة المؤلمة، أن من يفتّش البرلمانيين الليبيين ويمنعهم من الجلوس أمامه دون إذن، هو نفسه من يُفتَّش دون إعتراض خارج وطنه.

لقد آن الأوان أن يدرك الليبيون أن من يهينهم ليس بالضرورة سيداً، بل عبداً عند سيد آخر.

وأن الكرامة الوطنية لا تُبنى على الخضوع للداخل والتذلل للخارج.

الخميس، 8 مايو 2025

حنين لا ينطفئ

 أشتاق إلى ❤️أمي❤️

"حنين لا ينطفئ"


أماه،

لم يكن الغياب موتًا، بل اختبارًا مستمرًا للصبـر...

فمنذ رحيلك وأنا أعيش نصف حياة،

أنظر إلى العالم بعينٍ واحدة، وأتنفس بنصف صدر...

لأن النصف الآخر رحل معك،

لأنك كنتِ الأمان والدفء، والصوت الذي لا يُعوّض.

أشتاق إليكِ في تفاصيل يومي،

في كل وجبة كنتِ تحضّرينها لي سرًا في الليل،

وفي كل كلمة كنتِ تسبقين بها سؤالي،

وفي كل مرة كنتِ تشعرين بي قبل أن أتكلم.

ما أصعب أن أعيش دون أن أسمعك تقولين: "أينك يا ابني؟"

ما أقسى أن أمرض ولا أجدك تسهرين عليّ،

أن أنجح أو أتألم أو أفرح... ولا أراك أول من يعلم.

أماه،

كل من حولي يردد: "كنت مدللتها"،

لكنهم لا يعلمون أنني كنت أتنفس من عينيها،

أنني كنت طفلها حتى في الأربعين،

أنني ما زلت حتى الآن أحتاج حضنها،

حضنٌ واحد فقط... كان كافيًا ليجعلني أقوى من الدنيا كلها.

يا من رائحة الجنة كانت تفوح من يديك،

يا من علمتني كيف أحب، كيف أفهم، كيف أكون إنسانًا...

رحمك الله بعدد نبضات قلبي،

وجعل قبرك نورًا يمتد كابتسامتك،

وأسكنك الفردوس الأعلى،

فأنتِ الجنة التي كنت أعيشها،

وما زلت أبحث عنها في دعائي وأحلامي.

سمير الكاديكي

الجبناء حين يعيدون ولا يوفون: جُبنٌ مغلّف بالوعود

الجبناء حين يعيدون ولا يوفون: جُبنٌ مغلّف بالوعود


في ساحة الصراعات، لا يُقاس الرجال بكثرة الخطب ولا بعلو الصوت، بل بما يثبتونه من مواقف حين يقترب الخطر ويُنتظر منهم أن يكونوا على قدر كلامهم.

في ليبيا، لم تعد المشاهد المأساوية مفاجئة، ولا الجرائم التي يرتكبها خليفة حفتر وأبناؤه غريبة على المتابعين.

الغريب والموجع هو هذا الصمت المطبق والجبن المقنّع بالتصريحات النارية من أولئك الذين يُفترض أنهم أبناء قبائل، أو زعماء سياسيون، أو حتى أعيانٌ يزعمون الحرص على كرامة مجتمعهم.

حين تُنتهك الأعراض، وتُسفك الدماء، وتُستباح الحرمات على يد أبناء حفتر، نسمع منهم وعيدًا ونرى انفعالاً مؤقتًا، يتحدثون عن ردٍّ قاسٍ، عن موقف لا يُنسى، عن خطٍ أحمر تم تجاوزه.

لكن ما إن تمر الأيام، حتى يخفت الصوت، ويُنسى الجرح، وكأن الجريمة لم تقع.

الوعد كان للتهدئة، لا للوفاء، والتصعيد كان فقط من أجل حفظ ماء الوجه أمام الغاضبين، لا لإثبات كرامة أو نُصرة مظلوم.

هؤلاء لا يمكن تسميتهم إلا بالجبناء.

الجبان هو من يرى الباطل ويخاف أن يواجهه، ومن يتلقى الصفعة ثم يضحك متصنّعًا الصبر، وهو في داخله مدركٌ أنه إن سكت مرة سيتلقى الصفعة التالية.

كل قبيلة صمتت بعد أن أُهين أحد أبنائها أو بُقرت كرامتها، فهي قبيلة تخلت عن شرفها.

وكل سياسي صمت عن الحق طمعًا في سلامة أو منصب، فهو شريك في الجريمة.

الجبن لا يليق بالأحرار.

والحر لا يهادن من أهان عرضه، ولا يفاوض على دم أبنائه.

أمّا الذين يُطلقون الوعود في لحظة غضب ثم يبتلعونها خوفًا أو طمعًا، فهؤلاء لا يحمون وطنًا ولا يصونون كرامة، بل هم وقودٌ للاستبداد، وغطاءٌ لأبشع أنواع الظلم.

ليبيا لن تُبنى بأمثالهم.

والتاريخ لا يرحم من خذلوا شعوبهم ورضوا بالدنية في أهلهم.

وكم من لحظة نحتاج فيها لرجل لا يخاف، يفي إذا وعد، ويقف إذا حان وقت الوقوف.

أمّا الجبناء الذين يعيدون ولا يوفون، فليختاروا الصمت من البداية، فهو أهون من الكذب على الناس وعلى أنفسهم.

سمير الكاديكي