الجبناء حين يعيدون ولا يوفون: جُبنٌ مغلّف بالوعود
في ساحة الصراعات، لا يُقاس الرجال بكثرة الخطب ولا بعلو الصوت، بل بما يثبتونه من مواقف حين يقترب الخطر ويُنتظر منهم أن يكونوا على قدر كلامهم.
في ليبيا، لم تعد المشاهد المأساوية مفاجئة، ولا الجرائم التي يرتكبها خليفة حفتر وأبناؤه غريبة على المتابعين.
الغريب والموجع هو هذا الصمت المطبق والجبن المقنّع بالتصريحات النارية من أولئك الذين يُفترض أنهم أبناء قبائل، أو زعماء سياسيون، أو حتى أعيانٌ يزعمون الحرص على كرامة مجتمعهم.
حين تُنتهك الأعراض، وتُسفك الدماء، وتُستباح الحرمات على يد أبناء حفتر، نسمع منهم وعيدًا ونرى انفعالاً مؤقتًا، يتحدثون عن ردٍّ قاسٍ، عن موقف لا يُنسى، عن خطٍ أحمر تم تجاوزه.
لكن ما إن تمر الأيام، حتى يخفت الصوت، ويُنسى الجرح، وكأن الجريمة لم تقع.
الوعد كان للتهدئة، لا للوفاء، والتصعيد كان فقط من أجل حفظ ماء الوجه أمام الغاضبين، لا لإثبات كرامة أو نُصرة مظلوم.
هؤلاء لا يمكن تسميتهم إلا بالجبناء.
الجبان هو من يرى الباطل ويخاف أن يواجهه، ومن يتلقى الصفعة ثم يضحك متصنّعًا الصبر، وهو في داخله مدركٌ أنه إن سكت مرة سيتلقى الصفعة التالية.
كل قبيلة صمتت بعد أن أُهين أحد أبنائها أو بُقرت كرامتها، فهي قبيلة تخلت عن شرفها.
وكل سياسي صمت عن الحق طمعًا في سلامة أو منصب، فهو شريك في الجريمة.
الجبن لا يليق بالأحرار.
والحر لا يهادن من أهان عرضه، ولا يفاوض على دم أبنائه.
أمّا الذين يُطلقون الوعود في لحظة غضب ثم يبتلعونها خوفًا أو طمعًا، فهؤلاء لا يحمون وطنًا ولا يصونون كرامة، بل هم وقودٌ للاستبداد، وغطاءٌ لأبشع أنواع الظلم.
ليبيا لن تُبنى بأمثالهم.
والتاريخ لا يرحم من خذلوا شعوبهم ورضوا بالدنية في أهلهم.
وكم من لحظة نحتاج فيها لرجل لا يخاف، يفي إذا وعد، ويقف إذا حان وقت الوقوف.
أمّا الجبناء الذين يعيدون ولا يوفون، فليختاروا الصمت من البداية، فهو أهون من الكذب على الناس وعلى أنفسهم.
سمير الكاديكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق