السبت، 10 مايو 2025

حين تتعارض لقمة العيش مع المبادئ: الإعلام كمرآة للجبن والانحطاط تحت سطوة الاستبداد

 حين تتعارض لقمة العيش مع المبادئ: الإعلام كمرآة للجبن والانحطاط تحت سطوة الاستبداد


في زمن تتهاوى فيه القيم، وتتقزم فيه المواقف، يبرز سؤال جوهري: ماذا تفعل حين تتعارض لقمة عيشك مع مبادئك؟ هل تصمت وتنحني؟ أم تقف، ولو وحيداً، دفاعاً عن حق يُغتال، وكرامة تُداس، وحقيقة تُقمع؟

كثيرون من الإعلاميين اليوم ـ خصوصاً في البيئات الخاضعة لأنظمة القمع ـ يتغنون بالحرية، ويتظاهرون بالنزاهة، ويتشدقون بحقوق الإنسان، لكنهم ينهارون أمام أول اختبار حقيقي. يتبخر خطابهم النبيل إذا ما تعلّق الأمر بـ"السيد"، ذاك الظالم الذي يغدق المال، ويُلوح بالعقاب، ويتقن صناعة الخوف.

انظر إلى بعض الإعلاميين في ليبيا، أولئك الذين يدورون في فلك حفتر ومنظومته. تراهم يعزفون سمفونية الكرامة والحرية، لكنهم لا يجرؤون على طرح سؤال بسيط عن فساد أبنائه، أو جرائم مليشياته، أو ثروته التي تنفجر في وجه الجوعى والفقراء. وحين يُذكر اسم "حفتر"، ترى الحاضرين، سواء في الاستوديو أو الشارع، يبتلعون ألسنتهم، ويغشاهم صمت ثقيل. بعضهم يتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه، فقط ليتفادى المواجهة أو حتى مجرّد إبداء رأي.

إنها لحظة انكشاف. لحظة يسقط فيها القناع، وينكشف الوجه الحقيقي للإعلامي الذي قرر أن يبيع ضميره مقابل راتب، أو أمن شخصي، أو مساحة صغيرة من الشهرة.

لكن الخطورة لا تكمن فقط في الجبن الفردي، بل في التطبيع الجماعي مع الظلم. حين يصبح الصمت فضيلة، والنفاق مهنة، والجبن حكمة، تتسع دائرة الخضوع، وتتحول الشعوب إلى أسرى للخوف، ويصبح الظالم أكبر من أن يُنتقد، وأقوى من أن يُواجه.

في هذه اللحظة، يتحول الإعلام من منارة إلى أداة ترويج، ومن سلطة رابعة إلى ذراع دعائية، ومن حارس للحق إلى شريك في اغتياله.

السؤال الذي يجب أن يُطرح لكل إعلامي اليوم: من أنت حين يُذكر اسم الطاغية؟ هل تهرب من الكاميرا، أم تواجه؟ هل تغلق الميكروفون، أم ترفع الصوت؟ هل تختار لقمة العيش على حساب الكرامة، أم تجوّع وأنت مرفوع الرأس؟

إن التاريخ لا يخلّد الجبناء، ولا يحترم المبررين. بل يُمجّد من وقفوا وقالوا "لا" في وجه الاستبداد، ولو خسروا مناصبهم أو حياتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق