السبت، 31 مايو 2025

عبادة القوة في شرق ليبيا: كيف صنع حفتر شعبًا لا يقول "لا"؟

 عبادة القوة في شرق ليبيا: كيف صنع حفتر شعبًا لا يقول "لا"؟

بقلم: سمير الكاديكي


في شرق ليبيا، لا يبدو أن الخطر الحقيقي اليوم هو الحرب أو الانقسام السياسي أو التدخل الخارجي، بل الخطر الأخطر هو: تحول الناس إلى عبيد للخوف، وانزلاقهم إلى مرحلة "العبودية الطوعية"، حيث تصبح الطاعة لحفتر وأبنائه فريضة، والصمت طوق نجاة، والتمجيد واجبًا وطنيًا، والانتقاد خيانة.

حفتر لا يُنتقد... لأنه "فوق البشر"

خليفة حفتر لم يعد مجرد قائد عسكري أو سياسي نافذ، بل تحوّل إلى "نموذج مقدس" داخل مناطق سيطرته. يتم التعامل معه من قبل أتباعه، بل وحتى من قبل كثير من المواطنين، وكأنه "منزّه عن الخطأ"، لا يُسأل عمّا يفعل، ولا يُحاسب على قراراته مهما كانت نتائجها.

هذا التقديس لم يأتِ من فراغ، بل صُنع بشكل متعمد وممنهج، عبر أدوات الإعلام، والأجهزة الأمنية، وخطاب ديني وقبلي مصمم على مبدأ الطاعة العمياء، حيث تُختصر الوطنية كلها في الولاء للرجل وحده.

كيف صُنعت "عبودية الخوف" في شرق ليبيا؟

1. تكميم الأفواه والإرهاب المعنوي

أي صوت يعارض أو حتى يتساءل، يتعرض إما للاعتقال، أو الاختفاء، أو التشهير، أو الكسر الاجتماعي داخل منطقته. لا قانون يحميك، ولا قضاء ينصفك. القانون الوحيد هو "أوامر القيادة".

2. انهيار المجتمع المدني والإعلام الحر

لا توجد صحافة مستقلة في الشرق، ولا قنوات تُعطي مساحة للرأي الآخر. الإعلام المحلي تحول إلى منصات تمجيد، والبيانات تُقرأ بعبارات أشبه بعبارات "الفتوحات الدينية" لا السياسية.

3. توظيف القبيلة والمال والسلاح

تم ربط مصالح الأفراد والقبائل بمدى ولائهم لحفتر. من يُعلن الولاء ينال مناصب، أراضٍ، نفوذ، وربما حصانة من القانون. ومن يُعارض، يُقصى، يُحرَم، ويُلاحَق.

4. صناعة "إله سياسي" لا يُسأل

حين يخطئ حفتر أو أحد أبنائه، تُبرر أفعاله على الفور، ويتم تحميل المسؤولية للخصوم أو للشعب أو لظروف الحرب. أما خصومه، فيُهاجمون على أتفه الأسباب.

حفتر، في وعي مناصريه، لا يخطئ أبدًا… والويل لمن قال عكس ذلك.

أمثلة حية على عبودية الطاعة:


حين أطلق ابنه صدام حفتر النار داخل مؤسسة حكومية وأهان موظفين، لم يُحاسب، بل خرجت أصوات تمجده وتصفه بـ"القائد الحازم"، وتمت معاقبة الضحية بدلًا من الجاني.


في انتخابات المجالس البلدية، لم تُسمح لقوائم معارضة بالترشح فعليًا، إما بسبب التهديد أو الإقصاء القانوني الموجه، في مشهد يفضح وهم الديمقراطية تحت سلطة تُخضع الجميع.


أحد النشطاء الشباب في بنغازي، كتب منشورًا ناقدًا للفساد داخل أجهزة "القيادة العامة"، فاختفى لمدة أيام، ليعود صامتًا تمامًا، ويغلق حساباته، وينسحب من أي نشاط عام.


القنوات والمواقع التي تمولها القيادة، تمارس شيطنة مَن يسأل أو يعارض، بل وتُلمّح بشكل غير مباشر إلى أن المعارضة تعني الخيانة أو العمالة، في نفس الوقت الذي تُصدر فيه شعارات "الوطنية" و"حرية التعبير".



ماذا يعني هذا على المدى البعيد؟


تفريغ الحياة السياسية من أي مضمون حقيقي، وتحويل الشعب إلى جمهور يهتف فقط.


منع التغيير السلمي، مما يجعل الانفجار أو الفوضى البديل الوحيد.


زرع الخوف في الأجيال الجديدة، بحيث يكبر الأطفال على طاعة الشخص لا طاعة القانون أو الوطن.


تقديس القمع بدلًا من محاربته، مما يجعل الانتهاك الطبيعي الجديد.

من المسؤول؟

بعض المواطنين يتحملون المسؤولية جزئيًا، لأنهم اختاروا الصمت أو التبرير أو الطاعة، إما طمعًا في مكاسب، أو خوفًا على أنفسهم.

لكن المسؤول الأكبر هو النظام نفسه، الذي جعل "العبودية السياسية" هي الشكل الوحيد المقبول للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.


هل من أمل؟


نعم، لا يزال هناك أمل في ذلك الصامت الشريف، الذي لا يمجّد ولا يهتف، ولا يُطبّل، وإن لم يستطع قول "لا"، فهو لم يقل "نعم" للباطل.

وهناك أيضًا شباب واعٍ، مثقف، يراقب وينتظر فرصة التغيير، ليُعيد شرق ليبيا إلى طريق الحرية والكرامة التي لا تُباع ولا تُشترى.

الخاتمة:

حين تُقدّس الأشخاص فوق القانون، وتُخيف الناس حتى من التفكير بصوت عالٍ، فأنت لا تبني وطنًا، بل تسجن وطنًا داخل صورة رجل.

وحين يصبح السؤال جريمة، والصمت نجاة، والتطبيل فريضة… فاعلم أن الوطن تحت الاحتلال، وإن لم تراه دبابة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق