الأربعاء، 30 أبريل 2025

الفساد في ليبيا يشدّ بعضه أزر بعض

 الفساد في ليبيا يشدّ بعضه أزر بعض


الفساد في ليبيا ليس ظاهرة عابرة ولا حالة فردية معزولة، بل هو منظومة متكاملة، متشابكة، متجذّرة في مفاصل الدولة والمجتمع، حتى بات يشبه في تماسكه وتماسك أركانه البنيان المرصوص، حيث يشدّ الفاسد فاسدًا، ويحمي المستفيد المستفيد، في دوائر مغلقة يصعب كسرها من الداخل.


منذ سقوط النظام السابق، دخلت البلاد في مرحلة انتقالية طويلة ومضطربة، فتحت الأبواب أمام نُخَبٍ سياسية وإدارية جديدة، كان يُؤمَل أن تحمل معها مشروع الإصلاح والشفافية، فإذا بها ترث أدوات الفساد وتطوّره، بل وتشرّعه تحت غطاء الشرعية المؤقتة والتوازنات الهشّة. فبدل بناء دولة مؤسسات، بُنيت شبكات مصالح، وبدل بسط العدل والنظام، بُسط النفوذ والتغوّل، وتحوّلت الوزارات إلى إقطاعيات، والصناديق العامة إلى غنائم حرب.


الملفت في الحالة الليبية أن الفساد لا يقتصر على المال العام، بل يشمل التعيينات، والعقود، والصفقات، وحتى القرارات السيادية. كل شيء يمكن أن يُشترى ويُباع: المناصب، الأحكام القضائية، التصاريح، وحتى الولاءات السياسية. وكل من يحاول كسر هذا البنيان، أو فضح مكامنه، يجد نفسه محاصرًا بالتخوين، أو مستهدفًا بالعزل، أو مهددًا في أمنه ولقمة عيشه.


ولا يمكن إغفال أن المجتمع الدولي، برغم دعواته العلنية للإصلاح، لعب أحيانًا دورًا سلبيًا عبر دعمه غير المشروط لأطراف محلية ثبت تورطها في ملفات فساد، تحت ذريعة "الاستقرار"، مما زاد من ترسيخ البنيان الفاسد بدل زعزعته.


أما المواطن، فهو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن هذا الفساد من أمنه، وخدماته، وحلمه بوطن كريم. تضيع الميزانيات، وتتلاشى المشاريع، وتُهدر الفرص، ويبقى الشعب حبيس الأزمات، في بلد غني بالثروات، فقير في العدالة والمساءلة.


الخروج من هذا النفق يبدأ أولاً بالاعتراف أن الفساد في ليبيا لم يعد مجرد سلوك فردي، بل هو نظام حُكم قائم بحد ذاته، لا يُقاوَم إلا ببنيان مقابل: بنيان من الوعي، والجرأة، والتحالف المدني، والرقابة الشعبية، والتضامن الوطني.


فما بُني على باطل لا يُصلَح إلا بهدمه، وما أُحكم بأيدي المتنفذين لا يُستردّ إلا بإرادة جماعية صادقة، تنزع الشرعية عن كل فاسد، وترفع راية ليبيا فوق رايات المصالح الضيقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق