الخميس، 24 أبريل 2025

الشعب الليبي بين سندان الاستبداد ومطرقة الانقسام: رحلة الألم من انقلاب القذافي إلى ما بعد ثورة 17 فبراير

 الشعب الليبي بين سندان الاستبداد ومطرقة الانقسام: رحلة الألم من انقلاب القذافي إلى ما بعد ثورة 17 فبراير


منذ أكثر من خمسة عقود، يعيش الشعب الليبي سلسلة من التحولات السياسية والاجتماعية العنيفة التي صنعت واقعًا مأزومًا، تغذيه سلبية جماعية وواقع اقتصادي هش، وتستثمره فئات انتهازية وجماعات مسلحة حولت الوطن إلى مزرعة خاصة، بلا رقيب أو مساءلة.

أولاً: انقلاب القذافي وبداية الانحدار

في الفاتح من سبتمبر 1969، أطاح العقيد معمر القذافي بالنظام الملكي في انقلاب عسكري بدا في ظاهره ثوريًا ومبشرًا بمستقبل واعد، لكن سرعان ما تحول إلى حكم فردي مطلق، قائم على القمع وتكميم الأفواه وتفتيت النسيج الاجتماعي.

زرع القذافي في جسد الدولة فيروس التسلط، حيث أصبحت ليبيا دولة بلا مؤسسات، بلا دستور حقيقي، بلا تداول سلمي للسلطة، فكان أن حولها إلى "جماهيرية" على الورق، لكنها في الواقع كانت إقطاعية يحكمها بالرأي الأوحد ويُدين له الجميع بالولاء المطلق.

سادت عقلية الخوف والتزلف، وتربى المواطن الليبي على ثقافة الانكماش والانكماش فقط، فلا معارضة مسموحة، ولا صحافة حرة، ولا أحزاب، بل مجرد جمهور صامت يصفق ويهتف دون حق في التغيير.

ثانيًا: ثورة 17 فبراير... الحلم الذي وُئد

مع انطلاق رياح الربيع العربي، انطلقت ثورة 17 فبراير 2011 لتكسر حاجز الخوف وتعلن سقوط نظام القذافي، فاستبشر الليبيون بعهد جديد من الحرية والديمقراطية.

لكن ما لبثت الثورة أن انحرفت عن مسارها، بسبب غياب القيادة الموحدة، وتدخل أطراف خارجية، وظهور مليشيات مسلحة بمرجعيات جهوية وأيديولوجية، حولت الثورة من حلم إلى كابوس.

فبدلاً من بناء دولة القانون، دخلت ليبيا في صراعات لا تنتهي، وأصبحت السلطة موزعة بين حكومات متناحرة، وبرلمانات متنافسة، وقبائل متصارعة، ومليشيات لا تخضع إلا لقانون السلاح والمال.

ثالثًا: سلبية الشعب... فرصة للمجرمين والانتهازيين

في ظل هذا المشهد المعقد، لعبت سلبية المواطن الليبي دورًا خطيرًا في ترسيخ الفوضى، حيث غاب الحراك المدني الحقيقي، وسادت ثقافة "ما لي دخل"، فكانت النتيجة أن سيطر الانتهازيون وأمراء الحرب على مفاصل الدولة.

فمن يستولي على النفط، ومن يحتكر السلاح، ومن يتحكم في المنافذ الحدودية، هم من يقرر مصير البلاد والعباد. لا مؤسسات قادرة على المحاسبة، ولا قضاء مستقل، ولا نخب سياسية فاعلة، وكل ذلك يتم تحت سمع وبصر شعب اختار التفرج بدل المواجهة.

رابعًا: التدخلات الخارجية وتأبيد الأزمة

لم تكتفِ الأطراف الداخلية بإضعاف الدولة، بل فتحت أبواب التدخل الخارجي على مصراعيه. فكل فريق يستقوي بدولة أجنبية، وكل طرف يرتهن لإرادة خارجية، فتحولت ليبيا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي، حيث تتقاطع مصالح فرنسا وروسيا وتركيا ومصر والإمارات وأمريكا في حلبة واحدة.

هذا التشظي جعل من المصالحة الوطنية هدفًا بعيد المنال، ومن إعادة الإعمار حلمًا مؤجلًا، ومن الانتخابات استحقاقًا معلقًا في كل مرة.

خامسًا: الأمل ممكن، لكن بثمن

رغم هذا السواد، فإن الأمل لم يمت. فالشعب الليبي إذا ما قرر كسر حاجز الصمت، ومارس ضغطًا شعبيًا منظمًا عبر أدوات مدنية كالنقابات والإعلام والمبادرات الأهلية، يمكنه قلب الطاولة على المستفيدين من الفوضى.

الطريق شاق، لكنه يبدأ من لحظة وعي جماعي، ومن قناعة بأن التغيير لا يصنعه الخارج، بل يخلقه الداخل عندما يقرر أن يعيش بكرامة ويحاسب من خان الأمانة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق