لم تعد معاناة الشعب الليبي خافية على أحد، ولم يعد الألم مجرد شعور عابر، بل أصبح واقعًا يوميًا يُمارَس بكل الطرق والوسائل على المواطن البسيط، الذي لم يعد يرى في وطنه سوى ساحة مفتوحة للنهب، والتجويع، والإذلال. فالوصف الذي أصبح يتداوله الليبيون فيما بينهم هو أن "نحن لم نسحق فقط، بل أصبحنا بودرة"، تعبيرٌ اختزل مراحل الانهيار التي مر بها المواطن، من السحق الاقتصادي إلى الذوبان الاجتماعي.
بين حكومات متصارعة وعصابات مسلّحة
منذ أكثر من 13 سنة، عانى الليبيون من الانقسام السياسي، وظهور أكثر من حكومة في نفس الوقت (مثل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق). هذا الانقسام أدى إلى غياب أي سياسة اقتصادية واضحة، وفتح الباب أمام الميليشيات المسلحة التي يبلغ عددها أكثر من 300 ميليشيا مسلحة بحسب تقارير الأمم المتحدة، تسيطر على موارد الدولة، وتفرض منطق القوة على مؤسسات الدولة الحيوية
منذ سنوات، يعيش الليبي في ظل حكومات متعدّدة الأسماء والولاءات، تتصارع على السلطة ولا تملك مشروعًا حقيقيًا لبناء دولة. كل حكومة تتحدث باسم "الشعب"، لكنها لا ترى هذا الشعب إلا أداة لتثبيت نفوذها أو ورقة ضغط عند الحاجة. وبين هذه الحكومات، نشأت عصابات مدججة بالسلاح، تتحكم في مصادر المال، وتفرض الإتاوات، وتغيب الدولة أمامها.
أزمات معيشية رغم الثروات
ليبيا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا يُقدَّر بأكثر من 48 مليار برميل، ورغم ذلك يعيش المواطن الليبي أزمات متكررة في الغذاء، الوقود، والكهرباء.
معدل التضخم بلغ أكثر من 22% خلال 2023، بحسب تقرير مصرف ليبيا المركزي.
أكثر من 1.4 مليون ليبي (من أصل نحو 7 ملايين نسمة) باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، حسب الأمم المتحدة.
متوسط الراتب الشهري لا يتجاوز 800 دينار ليبي (150 دولار تقريبًا)، بينما كلفة المعيشة لأسرة صغيرة تجاوزت 2000 دينار شهريًا.
سيطرة الأجنبي: عندما يصبح الليبي غريبًا في بلاده
.
في كثير من المدن، أصبحت الأسواق تُدار فعليًا من قبل أجانب، خاصة في قطاعات المواد الغذائية، الإنشاءات، والخدمات.
عدد العمالة الأجنبية غير المنظمة يُقدَّر بأكثر من 700 ألف شخص، أغلبهم يعملون دون أوراق رسمية أو رقابة.
هذا التواجد سمح لهم باحتكار مواد أساسية، ورفع الأسعار كيفما يشاؤون، مستغلين فوضى الأسواق وغياب الدولة.
في ظل هذا الانهيار، لم يكن غريبًا أن تملأ العمالة الأجنبية الفراغ، وأن تتحول الأسواق إلى ساحات يُملى فيها على الليبيين الأسعار، وتُحتكر فيها السلع، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة. أصبح الأجنبي يحدد سعر السكن، والمواد الغذائية، وحتى الخدمات اليومية. لم يعد المواطن الليبي قادرًا على المنافسة، ولا حتى الاعتراض، فهو مهدد في رزقه، بل في حياته أحيانًا إن تجرأ على الرفض.
الضغط من دول الجوار: الطمع في ثرواتنا واستغلال ضعفنا
تُستغل ليبيا كممر للهجرة والتهريب، وتُستخدم كأداة في مفاوضات دولية لا دخل للمواطن فيها.
هناك أكثر من 650 ألف مهاجر غير نظامي في ليبيا، كثير منهم محتجزون في ظروف غير إنسانية، بينما تتاجر بعض الدول بهذه الورقة للضغط على أوروبا وتمويل برامجها.
تهريب الوقود المدعوم يكلف الدولة الليبية أكثر من 5 مليار دينار سنويًا.
ما زاد الطين بلة هو تدخل دول الجوار، التي رأت في الفوضى الليبية فرصة للنهب، ولتصفية حساباتها، ولزرع عملاءها. لم تُمدّ يد العون الحقيقية لليبيين، بل مُدَّت أيادٍ تنهش في ما تبقّى من كرامة المواطن، وتُمارس أبشع أنواع الابتزاز، سواء على الحدود، أو في ملفات الهجرة، أو في التجارة غير الشرعية.
الكرامة المهدورة والحياة اليومية المُنهكة
الليبي اليوم يبحث عن الخبز، الدواء، الوقود، وحتى الكهرباء، كأنه في دولة منهارة تمامًا، رغم الثروات التي يملكها وطنه. لم تعد لديه القدرة على الصبر أكثر. يشعر أنه مسحوق تمامًا، بل "بودرة" تُذرّى في الهواء، لا قيمة لها ولا وزن. لقد فُقد الإحساس بالأمان، بالأمل، بالعدل.
فهل من أفق؟
السؤال الذي يطرحه كل مواطن اليوم: إلى أين؟ ومتى يستفيق الجميع قبل أن تضيع ليبيا إلى الأبد؟ فالشعب لم يطلب المعجزات، فقط يريد وطنًا يعيش فيه بكرامة، وقيادة تحميه لا تتاجر به، وسلطة تعرف أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، لا النفط ولا الدولار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق