رفع الدعم عن المحروقات في ليبيا: بين ضرورات الإصلاح وواجبات الحماية الاجتماعية
يشهد ملف الدعم الحكومي للمحروقات في ليبيا جدلاً واسعاً، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية والتحديات التي تواجهها الدولة. ويأتي مقترح رفع الدعم عن المحروقات كأحد الحلول التي تسعى إلى تقليص الهدر، مكافحة التهريب، وتوجيه الأموال نحو قطاعات أكثر حاجة. غير أن هذه الخطوة لا تخلو من تأثيرات مباشرة على المواطن، ما يجعل من الضروري التفكير في سياسات موازية تخفف من وقع هذا القرار.
أولاً: لماذا تفكر الدولة في رفع الدعم؟
الحد من التهريب: يُعتبر الوقود المدعوم في ليبيا أحد أرخص الأنواع في المنطقة، ما يجعله هدفًا للتهريب إلى دول الجوار، وهو ما يُكبّد الاقتصاد الليبي خسائر بمليارات الدنانير سنويًا.
تقليل الهدر: الاستهلاك المفرط للمحروقات ناتج في جزء منه عن الأسعار غير الواقعية التي لا تعكس القيمة الحقيقية للمنتج، مما يشجع على الإسراف.
تحقيق عدالة اجتماعية: في كثير من الحالات، لا يستفيد الفقراء من دعم المحروقات بنفس الدرجة التي يستفيد بها الأغنياء، بل إن الدعم المفتوح يصب في مصلحة الطبقات القادرة على الاستهلاك الأكبر.
تحرير الموارد: الأموال المخصصة للدعم يمكن توجيهها إلى قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، البنية التحتية، ودعم الفئات المحتاجة مباشرة.
ثانيًا: كيف يمكن أن يستفيد المواطن من رفع الدعم؟
تحسين الخدمات العامة: إذا تم توجيه الأموال الموفَّرة من رفع الدعم إلى قطاعات حيوية، فإن المواطن سيشعر بفرق واضح في جودة الحياة.
دعم مباشر وعادل: بدلاً من الدعم العشوائي، يمكن تقديم دعم نقدي مباشر للمواطنين ذوي الدخل المحدود، بما يضمن استفادتهم الفعلية دون إهدار الموارد.
تنظيم السوق: رفع الدعم قد يؤدي إلى استقرار أكبر في السوق ومنع التلاعب والاحتكار، إذا تمت إدارته بشكل شفاف ومنظم.
ثالثًا: ما الذي يجب أن تفعله الدولة قبل تنفيذ القرار؟
1. إطلاق حملة توعوية وطنية تشرح للمواطنين الأسباب والنتائج، وتبني الثقة بأن الهدف هو الإصلاح لا التضييق.
2. إنشاء نظام دعم مباشر عبر تحويل مالي شهري للفئات المستحقة (مثل ما يُعرف بـ"الدعم الذكي").
3. تحسين شبكات النقل العام لتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وتقليل استهلاك الوقود.
4. الرقابة على الأسعار لمنع استغلال المواطنين في فترة التحول.
5. تدرّج التنفيذ حتى لا يُفاجأ المواطن بارتفاعات حادة، وإعطاء وقت كافٍ للتأقلم.
رفع الدعم عن المحروقات قد يكون خطوة ضرورية لإنقاذ الاقتصاد الليبي وتوجيه الموارد نحو التنمية الفعلية، لكن نجاحه مرهون بوجود رؤية متكاملة تضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات، وتُراعي واقع الفقر والبطالة الذي تعانيه شريحة واسعة من الشعب. الإصلاح لا يكون ناجحًا إلا عندما يشعر المواطن أنه شريك فيه، لا ضحية له.
ليبيا بنغازي طرابلس مصراته
سمير الكاديكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق