الأربعاء، 16 أبريل 2025

كبرنا قبل أواننا: عن الوعي المبكر، وألم التجربة، وثقة لا تموت

 كبرنا قبل أواننا: عن الوعي المبكر، وألم التجربة، وثقة لا تموت


في لحظة صمتٍ خافتة، بينما تغمرنا ساعة استرخاء بعد صراع طويل مع الحياة، لا يسعنا إلا أن نغوص في أعماق الذاكرة. هناك، حيث يسكن الماضي المتعب جداً، والمليء بكل ما يمكن أن يحفر في الروح أخاديد من الألم والحكمة. لا نستطيع أن نغلق أعيننا عن ما عشناه، ولا أن نتجاهل الحاضر الذي يسير بلا رؤية واضحة، ولا أن نتكهن بمستقبل لا يعلمه إلا الله. لكن وسط هذا الضباب، تظل شعلة الثقة مشتعلة، قائمة على فهمٍ متين، وصبرٍ طويل.


كبرنا مبكراً، ليس تشبيهاً ولا مبالغة، بل حقيقة عاشها من ذاق طعم المسؤولية وهو لا يزال صغيرًا، ومن حمل همّ الغد قبل أن يتذوق طمأنينة اليوم. لم تكن طفولتنا كغيرها؛ لم نركض خلف الألعاب، بل خلف الأحلام. لم ننتظر الهدايا، بل حاربنا لنصنعها. عرفنا الأهداف البعيدة منذ وقت مبكر، لذلك كان الحمل ثقيلاً... وكان مؤلمًا، نعم، لكنه أيضًا كان ممتعًا بطريقته القاسية.


كل تلك الأحداث والمخاطر، كل لحظة صمود، كانت مبنية على فهم... فهم لما حولنا، ولما نحن عليه، ولِما يمكن أن نصبح عليه. فهمٌ لم يولد من الكتب، بل من التجربة. من الألم. من التحديات التي لا تُروى، ولكنها تترك آثارها على الملامح، على نبرة الصوت، على الطريقة التي ننظر بها للعالم.


فقدنا الأحباب، وخسرنا الأصحاب. لكننا لم نفقد أنفسنا. تعلمنا أن الألم جزء من الحياة، وأن الرحيل لا ينهي العلاقة، بل يعلّمنا قيمة اللقاء. أدركنا أن من يحبنا حقًا سيبقى في قلوبنا، مهما غاب، وأن اللقاء الحقيقي ليس دائمًا في الدنيا. هناك لقاء آخر، ننتظره بيقين، ولا نبدله بكل ما في الدنيا من متاع.


الواقع أحيانًا قاسٍ، قاتم، ويأتي الإحباط إلينا متسللًا، يحاول أن يزرع الشكوك في داخلنا، أن يجعلنا نظن بأننا وحدنا في هذا الطريق. لكننا لا نستسلم. لأن الثقة التي بنيناها داخلنا، منذ كنا أطفالًا نحمل همّ الكبار، لا يمكن أن تنكسر بسهولة. ثقة لا تقوم على وهم، بل على فهمٍ عميق للذات، وعلى تجربة مليئة بالخسارات والانتصارات الصامتة.


نثق بأنفسنا، لأننا نعرف من نحن. لأننا نعرف من ربّانا الألم، ومن صقلتنا الظروف. نثق بأنفسنا لا من باب الغرور، بل لأننا بقينا واقفين، رغم كل شيء. نثق بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن الصبر على المعاناة له معنى، حتى وإن تأخر جزاؤه.


ليس فينا ضعف، بل فينا حكمة الوجع. لسنا بقايا منكسرة، بل أرواحٌ تمرّست في البقاء. الحاضر قد يبدو غامضًا، بلا رؤية واضحة، لكننا تعلمنا أن نخطو، ولو خطوة واحدة، بثقة، في الظلام. لأننا نعرف الطريق، حتى وإن غطّاه الغبار.


والمستقبل؟ علمه عند الله، نعم. لكننا نُعدّ له أنفسنا، نؤمن أن الأبواب تُفتح حين يستقيم القلب، وحين نصبر، وحين نواصل، لا حين نتراجع.


نحن لم نتغير. نحن فقط تطورنا. تشكّلنا بصمت، نضجنا بلا ضجيج، وسنبقى نسير، بعزيمة لا تتراجع، وبثقة لا تموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق