لا يُطبقون العدالة، بل يُسخِّرونها كسلاح لخدمة مصالحهم
في ليبيا المنهكة منذ سنوات، لم تكن العدالة يومًا في يد من يملكون السلاح، بل أصبحت وسيلة للترهيب والابتزاز، تُستخدم كذريعة لتصفية الخصوم، لا كميزان لإحقاق الحق. وبين شرق البلاد وغربها وجنوبها، تتكرر مشاهد الظلم والانتهاكات، لكن أكثرها فظاعة وتوثيقًا تلك التي وقعت في المناطق الخاضعة لسيطرة خليفة حفتر وأبنائه، الذين حولوا مفهوم الدولة إلى ملكية عائلية، والعدالة إلى قناع يخفون وراءه جرائمهم.
حفتر وأبناؤه: دولة العائلة لا دولة القانون
خليفة حفتر، الذي يصف نفسه بـ"القائد العام للجيش"، نصب نفسه حاكمًا عسكريًا مطلق الصلاحيات في الشرق الليبي، مدعومًا بقوة السلاح والتمويل الإقليمي. لكنّ الخطر الحقيقي لم يقتصر عليه وحده، بل امتد إلى أبنائه الثلاثة: صدام، خالد، وبالقاسم، الذين سيطروا على مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية والمالية في الشرق.
صدام حفتر، الذي لا يحمل أي خلفية قانونية أو عسكرية محترفة، أصبح فجأة مسؤولًا عن جهاز أمني واسع النفوذ، متهم بتنفيذ عمليات اعتقال تعسفي، وتصفية معارضين، والاستيلاء على أموال المصارف – كما حدث في عملية اقتحام فرع المصرف المركزي ببنغازي عام 2017.
سجن قرنادة أفادت تقارير عن تعرض المعتقلين في سجن قرنادة للتعذيب والانتهاكات الجسيمة مما أثار مقارنات مع سجون سيئة السمعة في دول أخرى.
كتيبة طارق بن زياد تعتبر هذه الكتيبة، التي يقودها صدام حفتر، مسؤولة عن العديد من الانتهاكات، بما في ذلك عمليات الإختطاف والتعذيب، مما أثار قلقا واسعاً بين منظمات حقوق الإنسان.
خالد حفتر، بدوره، يقود ميليشيات موالية نفذت العديد من العمليات في الجنوب، متورطة في انتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون.
بالقاسم حفتر، الأقل ظهورًا، إلا أن اسمه ارتبط بقضايا فساد إداري وسرقة أموال مخصصة للإعمار والمساعدات الدولية.
العدالة كغطاء للتصفية والنهب
في ظل سيطرة هذه العائلة على القضاء والمؤسسات الأمنية، تحولت العدالة إلى سلاح بيدهم، يُستخدم لتبرير اعتقال أي صوت معارض تحت تهم "الإرهاب" أو "الخيانة"، فيما تُغض الطرف عن الجرائم التي ترتكبها الميليشيات التابعة لهم. مئات المواطنين اختفوا قسريًا دون محاكمة، وقُتل العشرات في معتقلات غير رسمية، دون تحقيق أو محاسبة.
الجنوب الليبي: النهب في ظل الصمت
في الجنوب، استغل حفتر ضعف البنية الأمنية وغياب المؤسسات لبسط سيطرته بالقوة. شنت ميليشياته عمليات عسكرية في سبها ومناطق أخرى بحجة "محاربة الإرهاب"، لكن ما حدث فعليًا كان سيطرة على الموارد، وفرض الإتاوات على السكان، ونهب الثروات الطبيعية، خاصة الذهب والوقود.
الغرب الليبي: لا براءة في المقابل
رغم التركيز على تجاوزات حفتر، لا يمكن إغفال ما يحدث في غرب البلاد من انتهاكات مشابهة على يد بعض الميليشيات التي تحتمي بغطاء "الشرعية" أو "الثورة"، لكنها تمارس الاختطاف والابتزاز، وتحول الأجهزة الأمنية إلى أدوات للترهيب. هذا الانقسام ساهم في تعميق الجراح، حيث لم تعد هناك جهة واحدة تحترم القانون أو تطبّق العدالة بمفهومها الحقيقي.
في ليبيا اليوم، لا صوت يعلو فوق صوت السلاح والمصالح. العدالة غائبة، ويُسخَّر اسمها لتبرير القمع والفساد. ما يحدث ليس مجرد تجاوزات فردية، بل منظومة متكاملة من الظلم، يقودها من يحتكرون السلاح والسلطة، ويزرعون الخوف بدل الأمن. ولكي تستعيد ليبيا عافيتها، لا بد من محاسبة كل من تاجر بالعدالة، وسخّرها لخدمة مشروعه الشخصي أو العائلي، شرقًا كان أو غربًا أو جنوبًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق