لماذا يصرّون على التصالح مع حفتر بالطريقة الخطأ؟!
ولماذا لا نرى في طرحهم إلا خيانة للعدالة، وإهانة لدماء الشهداء، وتنازلًا مجانيًا عن حقوق المظلومين؟!
منذ سنوات، والحديث عن "المصالحة الوطنية" يتكرر في المشهد الليبي. وفي كل مرة، يظهر من يطرح مشروعًا للتقارب مع مجرم الحرب خليفة حفتر، وكأن المشكلة في رفض الناس له، لا في سجله الإجرامي المليء بالانتهاكات. تتكرر المبادرات، ويتبدل الوجوه، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا أنها تتحدث عن "السلام" بينما تمسح دماء الضحايا تحت السجاد.
هل يمكن بناء مصالحة حقيقية على ركام العدالة؟
أي مصالحة لا تبدأ من الاعتراف بالجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض المتضررين، ليست مصالحة بل مهزلة سياسية. بل هي إعادة إنتاج للظلم، وتثبيت لقواعد الاستبداد.
حفتر ليس طرفًا سياسياً يمكن اختلاف أو اتفاق الرؤى معه؛ بل هو رأس مشروع عسكري دموي قتل الأطفال، وهدم البيوت، وشرّد الآلاف، واحتقر القوانين، وسحق المؤسسات. كيف يُطرح التصالح معه دون اعتذار صريح؟ دون محاكمات؟ دون إنصاف الضحايا؟ بل العكس، كل مرة يأتينا من يُطالب بـ"طيّ الصفحة"، وكأنها حادث مروري بسيط، لا مجازر مدن.
لماذا يطرحون التصالح بهذه الطريقة المعوجة؟
1. لأنهم لا يؤمنون بالعدالة أصلاً، بل يؤمنون بالتوازنات الدولية والصفقات السياسية، حتى لو كانت على جماجم الأبرياء.
2. لأنهم مأزومون سياسيًا، ويبحثون عن موقع لهم وسط الخراب، فيقبلون بالسكوت عن المجرم مقابل دورٍ على الطاولة.
3. لأنهم يظنون أن الشعب نسي، وأن الدم يُمحى بالتصريحات، لا بالقصاص.
4. ولأن بعضهم ببساطة خائف، أو طامع، أو تابع لأجندات خارجية ترى في حفتر بوابة لمصالحها.
العدالة ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء وطن.
لا يمكن لبلدٍ أن ينهض وفي داخله جراح مفتوحة، ودماء لم يُقتصّ لها، وبيوت خُربت بلا اعتذار. لا يمكن للمصالحة أن تتحقق بالقفز على الحقيقة، ولا يمكن لصفحة جديدة أن تُكتب إذا لم تُحاسب اليد التي مزقت الصفحات القديمة بوحشية.
نحن لا نرفض السلام، بل نرفض تزويره.
نحن لا نرفض المصالحة، بل نرفض أن تكون على حساب الكرامة.
نحن لا نرفض التعايش، بل نرفض أن يُفرض علينا التعايش مع من قتل أحبابنا، ودمّر مدننا، وما زال يهدد كل محاولة لبناء دولة.
فمن أراد المصالحة، فليبدأ من المحكمة.
ومن أراد البناء، فليبدأ بالاعتراف بالهدم.
ومن أراد سلامًا حقيقيًا، فليصغِ جيدًا لصوت المظلوم، لا لصوت المدافع.
أما الذين يتحدثون عن التصالح مع حفتر دون أي شرط، ودون أي اعتبار لحقوق الضحايا، فليعلموا:
أنهم لا يطرحون مشروع سلام، بل يطرحون مشروع إذلال.
وأن الشعوب التي تُجبَر على التسامح مع جلاديها، لا تنسى… بل تنتظر.
ليبيا بنغازي طرابلس مصراته
سمير الكاديكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق